محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
154
شرح الكافية الشافية
--> - إليه المعنى ويهجر فيه جانب اللفظ . وقد ذهب الجرجاني في هذه الآية إلى أنّ التقدير : مخافة أن تضلّ ، وأنشد قول عمرو : . . . . . . . . . * فعجّلنا القرى أن تشتمونا أي : " مخافة أن تشتمونا " وهذا صحيح لو اقتصر عليه من غير أن يعطف عليه قوله " فتذكّر " لأنه كان التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين مخافة أن تضلّ إحداهما ، ولكن عطف قوله : " فتذكّر " يفسده ، إذ يصير التقدير : مخافة أن تذكر إحداهما الأخرى ، وإذكار إحداهما الأخرى ليس مخوفا منه ، بل هو المقصود ، قال أبو جعفر : " سمعت علىّ بن سليمان يحكى عن أبي العباس أن التقدير كراهة أن تضل " قال أبو جعفر : " وهو غلط إذ يصير المعنى : كراهة أن تذكّر إحداهما الأخرى " . انتهى . وذهب الفراء إلى أغرب من هذا كلّه فزعم أن تقدير الآية الكريمة : " كي تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت " فلما قدّم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت " أن " ، قال : " ومثله من الكلام : " إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى " معناه : إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل ؛ لأنه إنما يعجب الإعطاء لا السؤال ، فلما قدّموا السؤال على العطيّة أصحبوه " أن " المفتوحة لينكشف المعنى " ، فعنده " أن " في " أن تضلّ " للجزاء ، إلا أنه قدّم وفتح وأصله التأخير . وأنكر هذا القول البصريون وردّوه أبلغ ردّ : قال الزجاج : " لست أدرى لم صار الجزاء إذا تقدّم وهو في مكانه وغير مكانه وجب أن يفتح أن " . وقال الفارسي : " ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها والقياس يفسدها ، ألا ترى أنّا نجد الحرف العامل إذا تغيرت حركته لم يوجب ذلك تغيّرا في عمله ولا معناه ، وذلك ما رواه أبو الحسن من فتح اللام الجارّة مع المظهر عن يونس وأبى عبيدة وخلف الأحمر ، فكما أن هذه اللام لمّا فتحت لم يتغير من عملها ومعناها شئ ، كذلك " إن " الجزائية ينبغي إذا فتحت ألا يتغيّر عملها ولا معناها ، ومما يبعده أيضا أنا نجد الحرف العامل لا يتغير عمله بالتقديم ولا بالتأخير ، ألا ترى لقولك : " مررت بزيد " ثم تقول : " بزيد مررت " فلم يتغير عمل الباء بتقديمها من تأخير " . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فتذكر " بتخفيف الكاف ونصب الراء من أذكرته أي : جعلته ذاكرا للشئ بعد نسيانه ، فإنّ المراد بالضلال هنا النسيان كقوله تعالى : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ وأنشدوا للفرزدق : ولقد ضللت أباك يدعو دارما * كضلال ملتمس طريق وبار فالهمزة في " أذكرته " للنقل والتعدية ، والفعل قبلها متعدّ لواحد ، فلا بدّ من آخر ، وليس في الآية إلا مفعول واحد فلا بد من اعتقاد حذف الثاني ، والتقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة بعد نسيانها إن نسيتها ، وهذا التفسير هو المشهور . وقد شذّ بعضهم فقال : معنى فتذكر إحداهما الأخرى أي : فتجعلها ذكرا ، أي : تصيّر حكمها حكم الذّكر في قبول الشهادة . وروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال : " فتذكّر إحداهما الأخرى بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان ، تقول لها : هل تذكرين إذ شهدنا كذا يوم كذا في مكان كذا على فلان أو فلانة ، ومن قرأ " فتذكر " بالتخفيف فقال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها فقد أذكرتها لقيامهما -